محمد كرد علي

223

خطط الشام

فرنسا ، ومنها انتقل إلى جميع أوروبا ، فلدمشق على فرنسا بل على المدنية بأسرها ، الفضل الأول في تعليم هذه الصناعة للغربيين ، وناهيك بأنها أهم صناعة نشرت العلم والأفكار في العالم . وقد حمل الشاميون الوراقة إلى الأندلس وصقلية في جملة ما حملوه من صناعاتهم ، على نحو ما حملوها إلى شمالي إفريقية . وكانت شلطبة من مدن الأندلس تصدر منذ سنة ( 1009 م ) الورق بكثرة ويحمل منها إلى سائر أرض الأندلس . وكان الورق يصنع أشكالا في مكابس صغيرة ، ويعمل من الخروق البالية أو الحرير واستبدل ورق القطن الذي منه الورق الدمشقي بالحرير في سنة ( 706 م ) رجل اسمه يوسف بن عمرو ، ولا يزال في خزانة دار الكتب العربية بدمشق كتاب كتب سنة ( 266 ه ) على ورق يظن أنه من الورق الشامي وهو أقدم مخطوط عرف بالشام ولا يزال على متانته . وقال الرحالة ناصر خسرو : إن الكاغد الجيد الذي كان يصنع في طرابلس يشبه ورق سمرقند إلا أنه أحسن صنعا . وذكر القلقشندي أن الورق المعروف بورق الطير ، أي الورق الذي تكتب به البطائق وتعلق في أجنحة حمام الزاجل ، هو صنف من الورق الشامي رقيق للغاية وفيه تكتب ملطفات الكتب وبطائق الحمام . وهذا هو الورق الرقيق ، والورق القديم أشبه بالبردي أو الرقوق بمتانته . ولا نعلم في أي زمن انقرضت هذه الصناعة . وحدثني أحد علماء حلب أن الورق كان يصنع في الشهباء وأن حيا من أحيائها لا يزال اسمه الورّاقة حيث كانت معامل الورق . والورق الحلبي الصقيل المتين مشهور إلى عهدنا . وقد قام في أوائل هذا القرن رجل بيروتي من بيت الباحوط ، فأسس معملا مهما في أنطلياس على ساحل البحر ، وأصدر ورقا جيدا كورق النمسا وفرنسا ، لكن معامل الورق في الغرب أرخصت صادراتها من الورق إلى الشام فاضطر هو أن ينزل أيضا ثم خفضت السعر ولم تزل تخفضه ، حتى قضت على هذا المعمل النافع في زمن أصبح المجلوب من الورق كل سنة يساوي عشرات الألوف من الدنانير إلى الشام وأصبح الورق حاجة من حاجات المدنية .